لعلكم تتقون

كان كبار السن يبكون ليلة عيد الفطر، وكان صغار السن يستغربون هذا البكاء، كيف يبكي هؤلاء وغداً عيد الفطر حيث الفرح والسرور؟ ولم يع الصغار أن بكاء الكبار كان من خوفهم على أنفسهم، فهم يبكون خشية أن يكون هذا آخر رمضان في حياتهم، فيُحرمون من فضله والاستفادة منه.

وكبر الصغار وعاشوا نفس الحالة، وذلك عندما أخذ العمر منهم ما أخذ، وتذكروا بكاء الكبار في ذلك الزمان، فبكوا كما بكي أولئك، وهكذا دواليك.

إن عبادة الله لا تنقطع، فهي بفضل الله مستمرة في كل وقت وكل مكان، ولا انقطاع لها إلا بقيام الساعة، ومن فضل الله على عباده أن تكرم سبحانه وتعالى عليهم بمواسم وأماكن، جعل للعبادة فيها فضلاً آخر، فتكرم علينا بأماكن كمكة والمدينة وبيت المقدس والمساجد عامة، وتكرم علينا بأزمان كالأيام العشر، ورمضان وشعبان والاثنين والخميس وغيرها كمواسم للعبادة، فهي إن صح التعبير زيادة وتكرم على الحالة الطبيعية التي يعيشها المؤمن في عبادة ربه، إذ إن فيها من الفضل وزيادة الثواب ما يعوض تقصير المؤمنين في سائر حياتهم وهو أمر طبيعي للنفس البشرية.

وهذا من فضل الله تعالى على عباده، وما عليهم إلا أن يغتنموا هذه الفرص المباركة فلا يفوتونها، مع إدراكهم أن الله تعالى يُعبد في كل وقت وأن عبادة الله جل وعلا ليست موسمية ولا مكانية.

فهْمُ ما تقدم يستدعي أن يدرك المؤمنون أن كل فرصة تمكّنهم من تطويع النفس على طاعة الله تعالى، هي فرصة ذهبية عليهم ألا يفوتوها، وأحرى بهم أن يستعدوا لها ليحسنوا استقبالها فيستفيدوا منها كل الفائدة، وفي النهاية يخرجون منها ناجحين وقد أروا الله تعالى منهم ما يحب.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183]

ورمضان من أعظم الفرص التي تتيح للمؤمنين أن يكونوا من الأتقياء، أي تعينهم على تطويع أنفسهم لتقوى الله باتباع أوامره واجتناب معاصيه.

قال القرطبي في تفسيره: (التقوى فيها جماع الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ فِي الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَهِيَ خَيْرُ مَا يَسْتَفِيدُهُ الإنْسَانُ، كَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَصْحَابَكَ يَقُولُونَ الشِّعْرَ وَأَنْتَ مَا حُفِظَ عَنْكَ شيء، فَقَالَ:

يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ … وَيَأْبَى اللهُ إِلا مَا أَرَادَا

يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَمَالِي … وَتَقْوَى اللهِ أَفْضَلُ مَا اسْتَفَادَا)

فارتباط الصيام (كسر الشهوات) بالصلاة والذكر وقراءة القرآن طوال ثلاثين يوماً يجعل من المؤمن وعاء جامعاً للطاعات، جداراً صلباً تجاه المعاصي، فهو يردأ ويدرأ.

والنفس تطلب الملذات وتخلد إلى الراحة والدعة، ولذلك فإن تطويعها بالطاعات يعين صاحبها على التحكم بها وإرضاخها للخير. فبادروا لتروا النتائج.

وما أصدق القائل:

والنفس من خيرها في خير عافية ،،،، والنفس من شرها في مرتَع وَخِم

تطغى إذا مُكنت من لذة وهوى ،،،، طغْي الجياد إذا عضّت على الشُكُم

ولكن، جرت العادات في كثير من بلاد المسلمين وبخاصة في السنوات الإعلامية وأجوائها على مسخ رمضان ليكون خاصاً وخالصاً للأكل والنوم ومشاهدة التلفزيون، فخرج عما أراده الله لعباده فيه، ولم يعد شهر طاعة وتقوى، بل شهر فساد وإفساد، وهذا إخراج متعمد يُقصد منه جعل هذه الفرصة مصيبة في الدين تضاف إلى سائر المصائب التي تتكرر على مدار السنة.

أما الأكياس فلم تنطل عليهم السنوات الخداعات، وما زالوا ينتظرون رمضان انتظار الأم لولدها الغائب، لأنه الضيف الذي يزورهم في العام مرة واحدة، ولذلك فإنهم يستعدون له ويتهيؤون لمقدمه مشتاقين له فرحين به، وقد فرشوا بيوتهم بالصلاة، وزينوها بالذكر، وعمروها بقراءة القرآن وطهروها بالصدقة، ففرح الضيف بهم كما فرحوا به، وخرج منهم وقد رضي بكرمهم وحسن ضيافتهم.

عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) [الترمذي بإسناد حسن]

أسأل الله تعالى أن يحيينا لنشهد رمضان كما يحب سبحانه، وأن يخرجنا منه سالمين من الذنوب غانمين بالطاعات، وأن يكون عوناً لنا سائر أيام السنة على العبادة والذكر والعمل بما أمرنا به جلّ وعلا.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

لا يوجد

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.