يوم القيامة: تمهيد

الدنيا والآخرة: حياتان متغايرتان، الأولى مؤقتة والثانية دائمة، الأولى دار عمل وشقاء، والثانية دار حصاد وراحة، وأهمية الدار الأولى تكمن في أنها الجسر الذي ينتهي بباب الدار الثانية فمن آمن وعمل صالحاً واتقى ربه كان له الجزاء في الآخرة، ومن كفر وانحرف وصد وعصى كان له كذلك الجزاء في الآخرة وشتان ما بين الاثنين.

والمؤمنون بالآخرة وبكل ما فيها ليسوا بغناة عن تذكرها في كل وقت، لأن طبيعة الإنسان أنه ينسى ويلهو وينشغل بالتافه عن المهم، وهذا يفسر لنا كيف أن المسلم يعصي الله وهو يؤمن به، ويرتكب الإثم وهو يعلم أنه يدخله النار، ويعمل بعمل أهلها وهو يتعوذ منها ليلاً ونهاراً، لأنها طبيعة النفس البشرية، تقبل على الشهوات وملذاتها وتنسى مآلاتها، وصدق سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: (حُفت الجنة بالمكاره وحُفت النار بالشهوات) [مسلم وابن حبان وغيرهما] وفي الحديث الآتي تفسير جميل لهذا الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لمَّا خلقَ اللهُ الجنَّةَ والنَّارَ أرسلَ جِبريلَ إلى الجنَّةِ ، فقالَ: انظُر إليها وإلى ما أعدَدتُ لأَهْلِها فيها. فنظرَ إليها فرجَعَ، فقالَ: وعزَّتِكَ لا يسمَعُ بِها أحدٌ إلا دَخلَها. فأمرَ بِها فحُفَّتْ بالمَكارِهِ، فقالَ: اذهَب إليها فانظُر إليها وإلى ما أعددتُ لأَهْلِها فيها. فنَظرَ إليها، فإذا هيَ قد حُفَّت بالمَكارِهِ، فقالَ: وعزَّتِكَ لقد خَشيتُ أن لا يدخُلَها أحدٌ. قالَ: اذهَب إلى النَّارِ وإلى ما أعدَدتُ لأَهْلِها فيها. فنظرَ إليها فإذا هيَ يركَبُ بعضُها بَعضًا، فرجعَ فقالَ: وعزَّتِكَ لا يدخلُها أحدٌ. فأمرَ بِها فحُفَّت بالشَّهواتِ، فقالَ: ارجِع فانظُر إليها. فنظرَ إليها فإذا هيَ قد حُفَّت بالشَّهواتِ، فرجعَ وقالَ: وعزَّتِكَ لقد خَشيتُ أن لا ينجُوَ منها أحدٌ إلا دَخلَها) [النسائي والترمذي وغيرهما]

انظر إلى الصورتين: الأولى أن الكل سيدخل الجنة ولن يدخل النار أحد وهذا هو الطبيعي لصفة كل منهما، والصورة الثانية على العكس تماماً، وما ذاك إلا بما وضع حول النقيضين فغير الصورتين تغييراً تاماً.

قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155] فالمرض والجوع والموت والأذى بكل أصنافه، وما يصيب صاحب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يتحمله دعاة الحق وكل ما يستدعي الصبر مما يصيب الإنسان، لو وضع كل هذا في الطريق إلى الجنة فإنه يجعلها مراداً صعباً، والشهوات بكل أنواعها ورغد العيش والرفاه والغنى والدعة والحرام في ذلك كله، لو وضع كل ذلك في الطريق إلى النار فإنه ييسر الولوج فيها، ولكن بعد فوات الأوان. قال عليه الصلاة والسلام (من خاف أَدْلَجَ، ومن أَدْلَجَ بلغ المنزلَ، أَلا إن سِلْعَةَ اللهِ غاليةٌ، أَلا إن سِلْعَةَ اللهِ الجنةُ) [الترمذي]

ولأن هذه طبيعة الإنسان فالتذكرة مهمة له، مهما كان إيمانه ومهما كانت طاعته، ألا ترى آيات التذكير بالآخرة زاخرة لكل الناس ومنهم المؤمنون طبعاً، (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ) [النور: 37] (إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) [الإنسان: 5-11] وقال جل وعلا: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران:194]

وجاء في الحديث عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: لا آمَنُ على أحد بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَقَلْبُ ابْنٍ آدَمَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلْيًا) [مسند الشهاب، والسنة لابن أبي عاصم] .

وكان عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ رضي الله عنه إذا لقي الرَّجلَ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: تعالَ نؤمنُ بربِّنا ساعةً. فقال ذاتَ يومٍ لرجلٍ فغضِب الرَّجلُ فجاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: يا رسولَ اللهِ، ألا ترَى إلى ابنِ رواحةَ يرغبُ عن إيمانِك بإيمان ساعةً؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (يرحمُ اللهُ ابنَ رواحةَ إنَّه يحبَّ المجالسَ الَّتي تتباهَى بها الملائكةُ) [المنذري في الترغيب والترهيب]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل


مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.