يوم القيامة: نهاية البداية

الموت هو نهاية حياة وبداية حياة، فهو بالنسبة للفرد نهاية حياته الدنيا بغض النظر عن مدة مِكثه من لحظة موته إلى قيام الساعة، فهو بالموت يدخل في الآخرة وبالأحرى آخرته الخاصة، والتي بلا شك ستنتهي إلى الآخرة العامة التي سيدخل فيها الجميع. وإن قيل أن موت الإنسان هو قيامته الصغرى فهو قول صحيح لأنه بالموت قد انقطع عن الحياة الدنيا ودخل في حياته الآخرة، قال القرطبي في كتابه التذكرة: (قال علماؤنا: واعلم أن كل ميت مات فقد قامت قيامته، ولكنها قيامة صغرى وكبرى، فالصغرى هي ما يقوم على كل إنسان في خاصته من خروج روحه وفراق أهله وانقطاع سعيه وحصوله على عمله، إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر، والقيامة الكبرى هي التي تعم الناس وتأخذهم أخذة واحدة، والدليل على أن كل ميت يموت فقد قامت قيامته قول النبي صلى الله عليه وسلم لقوم من الأعراب وقد سألوه متى القيامة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم) [البخاري ومسلم]) اهـ.

إلا أن الفرق بين الحالتين أن القيامة الصغرى لا يتوقف العمل فيها بل يؤجر فيها المسلم كما جاء في الأدلة على تفصيل، وقد سبق وطرحنا هذا الموضوع في المدونة بعنوان: (الخلود نظرة أخرى) فليضغط على العنوان من أراد الرجوع إليه للاستفادة. أما القيامة الكبرى فلا عمل فيها يستوجب الأجر، بل حساب وجزاء.

إن الموت من أعظم الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان، إذ لا علاقة بالمعتقَد ولا بالدين بإثبات الموت من عدمه، فلا ينكره عقل ولا ينفيه وجدان، يقر به ويجمع عليه المؤمن والملحد، وما الاختلاف بين الاثنين إلا فيما بعد الموت وليس في الموت نفسه.

قال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الجمعة:8]

وضرب الله سبحانه وتعالى لنا أعظم مثال في الموت وهو موت سيد البشر محمد عليه وآله أفضل الصلاة والسلام والذي تهون بعد موته كل مصيبة، وهو القائل: (إن من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله) [مسلم وأحمد] فقال جل وعلا: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) [الزمر: 30-31] وقال عزّ من قائل: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) [آل عمران: 144-145]

وإذا تشربت هذه الحقيقة في نفس المؤمن تشرب الدماء في العروق وصارت مركز التنبه عنده فإنه يقبل على آخرته كما يقبل على دنياه محققاً التوازن الذي علمه إياه الشرع، وهو في ذلك يحرص دوماً على اختيار حالة الموت -لأنه كما تعلمون لا يستطيع أحد اختيار وقت موته- فيموت على طاعة الله لأنه يحرص ألا يراه الله في معصية، أما الذين يخافون الموت فهم الذين لم يحسبوا حسابه، جاء في كتاب العاقبة في ذكر الموت للإشبيلي: (وقال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال: كيف القدوم على الله عز وجل؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أما المحسن فكالغائب يأتي أهله فرحاً مسروراً وأما المسيء فكالعبد الآبق يأتي مولاه خائفاً محزوناً)

هلموا إلى تذاكر الموت والاستعداد لما بعده، فإن هذا ديدن الصالحين وحال المتقين جعلنا الله وإياكم منهم.

عن مجاهد عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ببعض جسدي فقال: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيِبٌ أَوْ عَاَبِرُ سَبِيِلٍ وَعِدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ) فقال لي ابن عمر: (إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غداً) [الترمذي وابن ماجه]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الْكَيِّسُ مَنْ دَاَنَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاَجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاَهَاَ وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ) [الترمذي وابن عساكر والمنذري]

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: أتيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عاشر عشرةٍ فقال رجلٌ من الأنصار: من أكيس النّاس وأكرم النّاس يا رسول الله؟ فقال الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم: (أَكْثَرُهُمْ ذِكْراً لِلْمَوْتِ، وَأَشَدُّهُمْ اسْتِعْدَاداً لَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الأكْيَاسُ، ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ) [الطبراني وابن ماجه وابن حبان]

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.