الحوار الوحيد

نبدأ اليوم الحديث عما يستفاد من قصة خلق سيدنا آدم عليه السلام، والتي تناسبت أحداثها مع سورة البقرة، والدخول في المرحلة المدنية.

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 30]

هذا هو الحوار الوحيد الذي ذكر في القرآن الكريم، والذي حصل بين رب العزة والملائكة الكرام في شأن آدم عليه السلام، ولم يرد في القرآن الكريم إلا في سورة البقرة، وقد ورد ما يشير إليه كما قال المفسرون ويؤيد قولهم سياق الآيات، ولكن لم يُذكر فيه قول الملائكة، وذلك في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِن يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} [ص: 69-74] .

وعلى عكس ما ورد في سورة ص وغيرها من السور خلا البقرة، فإنها -تلك السور- ورد في بعضها موقف إبليس وتبريره لعدم السجود، ولم يرد هذا في البقرة.

فآيات البقرة في قصة خلق سيدنا آدم عليه السلام اختصت:

أولاً: بالحوار الذي حصل من الملائكة حول خلق آدم.

ثانياً: ورد فيها أن الله تعالى علّم آدم عليه السلام ما يؤهله لإعمار الأرض. ولم يذكر فيها أي شيء عن طبيعة خلقته.

ثالثاً: إظهار قدرة آدم عليه السلام على إعمار الأرض.

رابعاً: لم يرد فيها ما يتعلق بمبررات إبليس لعدم السجود.

وقد قلنا فيما سبق أن سورة البقرة سورة مدنية، وشرحنا بالتفصيل ما تعلق بذلك، ولذلك فإنها تميزت في أولها بذكر المنافقين الذين استجدت ظاهرتهم مع قيام الدولة الإسلامية في المدينة، وتميزت كذلك بذكر خلق سيدنا آدم عليه السلام ولكن بطريقة تتناسب مع الوضع المدني وهو الوضع الجديد الذي طرأ على الدعوة الإسلامية وعلى التعامل مع الرسالة الجديدة. فصار تصوير خلق آدم تصويراً مختلفاً عن باقي السور القرآنية، وهذا ما يستدعي التأمل للحظة: إذ نجد في القرآن الكريم عدة صور لمشهد واحد، وفي بعض الأحيان نجد تفصيلاً هنا واختصاراً هناك، كما جاء في قصص بني إسرائيل وفيما يتعلق بسيدنا موسى عليه السلام، وكذلك ما تعلق بخلق آدم عليه السلام، إلا أن موضوع الحوار بين الملائكة جاء وحيداً في البقرة، ولم تأت صورة أخرى له تعطينا مشهده من جانب آخر، أما السجود لآدم، ومعصية إبليس وسكنى آدم وزوجه الجنة وكذلك معصيتهما وخروجهما منها فإن هذا كله قد ورد في القرآن الكريم بعدة صور، عسى أن يكون لنا فيها ذكر وتفصيل في مقام آخر.

أما قول الملائكة فإنه أتى من علمهم بطبيعة المخلوق الجديد وما يمكن أن يحصل منه إن تسلم زمام السيطرة في الأرض، وأنه بطبيعته يفسد ويقتل، ولا يتصور أنهم رموا هذا المخلوق الجديد بما لا علم لهم به، يؤكد هذا قولهم فيما بعد: {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 33] وكلامهم هذا ينطبق على كل علم عندهم أنه من الله جل وعلا، ويدخل فيه علمهم بطبائع المخلوق الجديد الذي دفعهم ليقولوا رأيهم في خلقه.

ويمكن أن يكونوا قد سألوا الله تعالى عن هذا المخلوق وما هي طبائعه فأجابهم جلّ وعلا، ولا نستطيع أن نجزم بشيء من ذلك، ولذلك فإن ما نعرفه أنهم كانوا عالمين بطبيعة هذا المخلوق الجديد، أما كيف عرفوا ذلك، فإنه لا يهمنا كثيراً لعدم علاقته بالموضوع إلا من حيث الزيادة في التفصيلات التي يستغني البحث عنها والتكلف الذي لا طائل منه.

ومدار آيات سورة البقرة والتي نحن بصددها على إعمار الأرض والذي يفهم من أمران اثنان:

الأول: قول الملائكة.

الثاني: تعليم آدم الأسماء.

ولننظر إلى تسلسل الحوار الذي تظهر فيه صورتان:

أولاً: قبل خلق آدم: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ}

رب العزة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}

الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} هذا مدى علمهم

رب العزة: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعلم الله عن هذا المخلوق وعما سيقوم به في الأرض ما لا تعلمه الملائكة

ثانياً: بعد تعليم آدم: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا}

رب العزة: {أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء}

الملائكة: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا}

رب العزة: {يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ}

آدم: {فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ}

رب العزة: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}

أما الأسماء التي علمها الله تعالى لآدم، فإن ما نستفيده من الآيات أنها أسماء لأشياء إذا عرفها آدم صار قادراً بمعرفتها أن يحسن إعمار الأرض وعدم إفسادها، هذا هو مدار الموضوع كله، إذ إن كل ما حصل من تعليم آدم وسؤال الملائكة وإنباء آدم الملائكة؛ كل هذا يستفاد منه أنه إثبات للملائكة أن هذا الخليفة قادر على إعمار الأرض وإصلاحها كما يريد الله منه.

وهذا هو الحوار الذي اختص الله تعالى سورة البقرة به، وفي قوله تعالى: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} إشارة إلى الآية السابقة: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} والتي كانت تتعلق بالمخلوق الجديد، مما يدل على أن في تعليم آدم الأسماء رداً على قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} وبمعنى آخر: فإن آدم أثبت للملائكة بما علمه الله تعالى أنه سيصلح الأرض ولن يسفك الدماء -بغير حقها- كما قالت الملائكة.

هذا الإعمار الذي ورد في سورة البقرة جاء متناسباً مع قدوم الرسول الكريم إلى المدينة وتسلمه زمام السلطة فيها، ودخول الدعوة الإسلامية في طور تطبيق شرع الله في كيان تنفيذي سياسي اسمه الدولة، وقد فصلنا في الكلمات السابقة بعض ما تعلق به لمن أراد الاستفادة والاستزادة.

والله تعالى أعلى وأعلم وهو الهادي إلى سواء السبيل

مواضيع ذات صلة

جميع مواضيع المدونة

لا يوجد تعليقات على هذه المقالة حتى الآن

A ring of rolex replica diamonds is set on the watch ring, which is in omega replica line with the luster of the mother of pearl. With a black alligator strap to rolex replica watches wear comfortable, low-key luxury. The elegant moon phase table is top swiss replica watches perfect for ladies to wear.